أثارت التحركات المصرية الأخيرة لدراسة تقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة الحوثيين جدلًا واسعًا داخل مصر والسعودية والعالم العربي، لا سيما بعد طلب رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي تفويضًا برلمانيًا يسمح للقوات المسلحة بالتحرك إذا طلبت الرياض ذلك. وتفتح هذه الخطوة الباب أمام تساؤلات بشأن دلالاتها ومدى استعداد القاهرة لتغيير نهجها تجاه الأزمة اليمنية، في ظل اتساع نطاق المواجهة وتزايد التهديدات التي تطال أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يمس الأمن القومي المصري ومصالح البلاد الحيوية.


وفي تحليل نشره موقع نون بوست، يستعرض التقرير طبيعة الحسابات السعودية والمصرية التي تحكم احتمالات التدخل، والخيارات العسكرية المتاحة أمام القاهرة، والتكاليف الاقتصادية والسياسية والأمنية التي قد تترتب على الانخراط في الصراع. ويطرح التحليل تساؤلات محورية بشأن مدى حاجة السعودية إلى الدعم المصري، وقدرة القاهرة على المشاركة عسكريًا، وما إذا كان هذا التوجه يستهدف حماية الأمن القومي المصري وتأمين الممرات البحرية، أم يعكس إعادة صياغة أوسع للشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

 


هل تحتاج السعودية إلى مصر لمواجهة الحوثيين؟


كشفت نحو 11 عامًا من المواجهة مع الحوثيين عن حدود قدرة الرياض على تحقيق انتصار حاسم عليهم. وقد اتضحت هذه الحدود بصورة أكبر خلال الجولة الأخيرة من القتال، التي بدأت في أوائل سبتمبر ولا تزال مستمرة. فعلى الرغم من امتلاك المملكة أسلحة متطورة وتقنيات عسكرية حديثة وقوة جوية متقدمة وأنظمة متعددة للدفاع الجوي والصاروخي، فإنها لا تزال تواجه صعوبات كبيرة في احتواء الهجمات الحوثية والحد من قدرة الجماعة على استهداف مواقع داخل الأراضي السعودية.


ولا تكمن المشكلة الأساسية للسعودية بالضرورة في نقص الأسلحة أو المعدات، بل في طبيعة الخصم والتهديد الذي يمثله. فالحوثيون ليسوا جيشًا نظاميًا يمكن مواجهته وفق القواعد والاستراتيجيات العسكرية التقليدية، كما عززت التطورات التي أدخلوها على ترسانتهم خلال السنوات الأخيرة قدراتهم الهجومية بدرجة كبيرة.


وتجعل المساحة الشاسعة للمملكة، إلى جانب قدرة الحوثيين على استهداف مناطق متباعدة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، توفير مظلة دفاعية شاملة مهمة بالغة الصعوبة والتكلفة. وتمتد المنطقة المعرضة للخطر من الدمام شرقًا إلى عسير جنوبًا، وتشمل مدنًا ومطارات ومنشآت نفطية ومحطات كهرباء وموانئ وبنية تحتية حيوية.


كما يزيد اعتماد الحوثيين على العمليات والهجمات الموزعة جغرافيًا من تعقيد المهمة الدفاعية السعودية. إذ تمتد التهديدات من المناطق الجنوبية، مثل أبها وخميس مشيط ونجران وجازان، مرورًا بالمدينة المنورة، وصولًا إلى مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومنشآت أرامكو، وحتى مطار الملك فهد الدولي في الدمام والمنشآت النفطية بالمنطقة الشرقية.


ويفرض هذا الانتشار الجغرافي على الدفاعات السعودية تغطية مسرح عمليات واسعًا، بما يتطلب قدرات كبيرة على المراقبة والإنذار المبكر واعتراض الهجمات، إلى جانب حماية عدد ضخم من الأهداف الحيوية في الوقت نفسه.


وزاد امتداد التهديد إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للمملكة، الضغوط على الرياض، إذ يمنح الحوثيين ورقة ضغط إضافية لتهديد الملاحة والمصالح السعودية.


وتزداد أهمية هذه الورقة في ظل الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، وهو أهم الممرات البحرية لصادرات الطاقة الخليجية. وبذلك تواجه المملكة تحديًا استراتيجيًا بالغ التعقيد، يتمثل في احتمال تعرض ممرين بحريين حيويين للضغط والتعطيل، بالتزامن مع استمرار تهديد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة داخل أراضيها.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو السعودية في حاجة ملحة إلى دعم حلفائها وشركائها لمواجهة التهديد الحوثي. وتعزز هذا التقدير تقارير تحدثت عن استياء سعودي من محدودية الدعم الذي تلقته المملكة من بعض حلفائها، مقارنة بحجم التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجهها.

 


ما الذي تغير في حسابات القاهرة الاستراتيجية؟


منذ حرب أكتوبر 1973، اتبعت مصر نهجًا حذرًا إلى حد كبير إزاء الانخراط في عمليات عسكرية خارج حدودها. وباستثناء مشاركتها في حرب الخليج عام 1991، ظل دورها القتالي المباشر والمعلن في الخارج محدودًا.


وحتى الضربات الجوية المحددة التي نفذها سلاح الجو المصري ضد جماعات مسلحة في ليبيا عام 2017 لا يمكن مقارنتها بحرب خارجية طويلة الأمد، إذ اقتصرت تلك العمليات على ضربات محدودة ومركزة ردًا على هجمات استهدفت مواطنين مصريين ومصالح مرتبطة مباشرة بالأمن القومي.


وعندما بدأ التحالف العربي بقيادة السعودية عملية «عاصفة الحزم» عام 2015، قدمت القاهرة دعمًا سياسيًا للتحالف، لكنها فرضت قيودًا صارمة على مشاركتها العسكرية، التي اقتربت من المساهمة الرمزية أكثر من الالتزام العسكري الكامل. وتركز جانب كبير من دورها على المهام البحرية الرامية إلى تأمين الملاحة والممرات الاستراتيجية، مع تجنب الانخراط في حرب برية واسعة داخل اليمن. ولم يلبِّ هذا التحفظ بالكامل توقعات الرياض بشأن المشاركة المصرية، وأثار استياء السعودية آنذاك.

 

 

فما الذي تغير ودفع القاهرة إلى التفكير في تقديم دعم عسكري للسعودية؟


لا يزال الأمر قيد الدراسة، ولم تتضح بعد تفاصيل طبيعة المشاركة المحتملة أو حجمها أو مستواها أو حدودها العملياتية. لكن مجرد طرح المسألة بهذه الصورة وإحالتها إلى البرلمان لاتخاذ قرار بشأنها يمثل خطوة مهمة لمصر، ويشير إلى تحول ملحوظ في نهج القاهرة التقليدي تجاه المشاركة العسكرية خارج الحدود، يصعب اعتباره مجرد إجراء سياسي عابر.


وشهدت الأسابيع الأخيرة تغيرات لافتة في التوازنات الإقليمية المرتبطة باليمن. فقد بات الحوثيون يتمتعون بنفوذ أوسع وأجندة إقليمية أكثر وضوحًا مقارنة بالمراحل الأولى للحرب، بالتوازي مع تنامي قدراتهم العسكرية والصاروخية. والأهم أن قدرتهم على تهديد مضيق باب المندب والملاحة في البحر الأحمر نقلت تداعيات الأزمة اليمنية إلى منطقة تمس المصالح المصرية مباشرة.


وألحقت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر أضرارًا كبيرة بحركة العبور في قناة السويس، إذ أعلنت القاهرة خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار. وبالنسبة إلى مصر، نقل هذا التطور التهديد في جنوب البحر الأحمر إلى ما هو أبعد من الأزمة اليمنية، وجعله قريبًا من أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري ومصادر العملة الأجنبية.


وفي ظل هذه المعطيات، تزايد قلق القاهرة من تنامي قدرات الحوثيين واحتمالات تأثيرها في موازين النفوذ والأمن داخل البحر الأحمر.


ولا تنفصل الاعتبارات الاقتصادية عن أي تحول محتمل في الموقف المصري. إذ تربط القاهرة والرياض شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، تشمل الاستثمارات السعودية في مصر، والودائع والمساعدات المالية التي قدمتها المملكة في مراحل مختلفة، فضلًا عن وجود أعداد كبيرة من العمال المصريين في السعودية. وتمثل تحويلات هؤلاء العاملين مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية لمصر، ما يجعل استقرار المملكة مرتبطًا مباشرة بمصالح الاقتصاد المصري.


وتكتسب اعتبارات السيادة والسياسة أهمية مماثلة، إذ تسعى القاهرة إلى الحفاظ على موقعها في منطقة سريعة التغير، تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية متعددة على النفوذ وترتيبات الأمن.


وتدخل في هذه الحسابات زيادة الوجود الأمريكي، والمخاوف من اتساع النفوذ الإسرائيلي، والتحركات الروسية والصينية، إلى جانب المصالح الأوروبية. وقد ترى القاهرة أن ترك مناطق استراتيجية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها البحر الأحمر، عرضة للتنافس بين هذه القوى يمثل تهديدًا لمصالحها وأمنها القومي ومكانتها الإقليمية.


وفي خضم هذه الحسابات المتشابكة، تظل طبيعة المشاركة العسكرية المصرية المحتملة في دعم السعودية عاملًا حاسمًا لفهم مدى تحول موقف القاهرة واتجاهه. فثمة فارق كبير بين تقديم دعم دفاعي واستخباراتي وتأمين البحر الأحمر، وبين المشاركة في عمليات هجومية أو الانخراط في حرب برية مفتوحة داخل اليمن.


وبذلك ينتقل السؤال من دوافع مصر إلى النتائج العملية لأي تحول في موقفها: ما الذي تستطيع القاهرة تقديمه للرياض في هذه المرحلة؟ وما الحدود التي ينبغي أن تضعها لدورها العسكري لتجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة؟

 


خيارات القاهرة العسكرية.. من الدعم الاستخباراتي إلى التدخل البري


ترى الرياض أن القاهرة شريك قادر على تعزيز إمكاناتها في المواجهة عبر ثلاثة مسارات رئيسية.


يتمثل المسار الأول في الدعم العسكري، إذ تستطيع مصر المساهمة في توسيع نطاق التغطية الدفاعية ضد الهجمات الحوثية في المناطق الشرقية والغربية والجنوبية من المملكة، بما يخفف الضغط على منظومات الدفاع السعودية ويعزز قدرتها على حماية المنشآت والمواقع الحيوية.


ويمكن لمصر أيضًا توفير عمق استراتيجي أكبر للمواجهة، بفضل موقعها الجغرافي الذي يسمح لها بالعمل انطلاقًا من شمال البحر الأحمر والمساهمة في تأمين طرق الملاحة المؤدية إلى قناة السويس. كما تستطيع تقديم دعم استخباراتي ومعلوماتي يعزز قدرات المراقبة والإنذار المبكر وتبادل المعلومات.


أما المسار الثاني، فيتعلق بالدعم السياسي. إذ من شأن مشاركة القاهرة أن تمنح الرياض مساحة أوسع للمناورة داخليًا وخارجيًا، لا سيما بعد سنوات من حملة التحالف العربي في اليمن، التي رافقتها انتقادات دولية وخلافات وتباينات بين بعض أعضاء التحالف. وقد أثرت هذه الخلافات في قدرة التحالف على تحقيق انتصار حاسم، رغم الفوارق الكبيرة في الموارد والإمكانات العسكرية.


ويتمثل المسار الثالث في تقديم دعم لوجستي واستراتيجي أوسع، من شأنه نقل المواجهة من إطارها السعودي الحوثي الضيق إلى نطاق أشمل يتصل بالأمن العربي وأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة في ممراته الاستراتيجية. ومن شأن ذلك تعزيز موقف المملكة وتقاسم أعباء المواجهة، خصوصًا في ظل محدودية المشاركة العسكرية المباشرة لعدد من حلفائها الغربيين.


وفي المقابل، تمتلك القاهرة مستويات متعددة من الدعم يمكنها الاختيار من بينها.


يتمثل المستوى الأول في التعاون الاستخباراتي والاستطلاع وتبادل المعلومات بشأن تحركات الطائرات المسيّرة والصواريخ والمنصات البحرية التابعة للحوثيين.


ويمنح موقع مصر على البحر الأحمر ميزة مهمة في هذا المجال، إذ يسمح لها بالمساهمة في عمليات المراقبة والرصد وتبادل المعلومات. كما يوسع هذا الدور نطاق المهام الأمنية والبحرية التي اضطلعت بها مصر منذ انضمامها إلى التحالف العربي وعملية «عاصفة الحزم» عام 2015.


أما المستوى الثاني، فيشمل الدفاع البحري وتأمين الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، من خلال مراقبة الممرات البحرية والمساعدة في حماية السفن والمنشآت الحيوية من الهجمات، وربما مرافقة السفن التجارية في المناطق الأكثر عرضة للتهديدات.


ويعزز عضوية مصر في القوات البحرية المشتركة منذ أبريل 2021 من واقعية هذا السيناريو. وتضم هذه الشراكة البحرية متعددة الجنسيات عشرات الدول، وتهدف إلى تعزيز الأمن البحري وحرية الملاحة. كما سبق للبحرية المصرية، التي تتمتع بقدرات متقدمة نسبيًا، أن تولت قيادة القوة البحرية المشتركة رقم 153، المسؤولة عن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن.


ويتطلب المستوى الثالث، وهو الأكثر تقدمًا وحساسية، قرارًا سياسيًا واضحًا من الدولة المصرية. ويشمل المساعدة في تعزيز الدفاع عن المنشآت والمواقع الحيوية داخل الأراضي السعودية، سواء عبر معدات ومنظومات الدفاع الجوي أو من خلال تقديم الدعم الفني والعسكري. وهناك سوابق لهذا النوع من الدعم، إذ قدمت مصر مساعدة مماثلة لدول خليجية، بينها الإمارات والبحرين، منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.


أما المستوى الرابع، فيظل الأخطر والأعلى تكلفة، ويتمثل في نشر قوات برية مصرية داخل اليمن والمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين. ويبدو هذا الخيار الأقل ترجيحًا، في ضوء التعقيدات السياسية والعسكرية والاقتصادية الكبيرة المرتبطة به، فضلًا عن احتمالات تحوله إلى التزام طويل الأمد قد لا تكون القاهرة مستعدة لتحمله في الوقت الراهن. كما لا تزال مصر تحمل ذكريات صعبة عن تدخلها العسكري المباشر في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي.


وتجعل الطبيعة الجغرافية المعقدة لليمن، وطبيعة الحرب غير النظامية، وانتشار الجماعات المسلحة، وتشابك البنى السياسية والقبلية والعسكرية، أي تدخل بري واسع عرضة للتحول سريعًا من عملية ذات أهداف محدودة وإطار زمني واضح إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.


وتبدو هذه التعقيدات اليوم أكثر حدة مما كانت عليه قبل أكثر من نصف قرن، في ظل تعدد الأطراف المسلحة، وتطور وسائل القتال، واتساع نطاق التدخلات الإقليمية والدولية في اليمن.


ورغم أن هذا الخيار أقل ترجيحًا من أشكال الدعم الأخرى، فإنه يظل احتمالًا قائمًا، لا سيما إذا تصاعدت المواجهة أو اتسعت التهديدات على نحو يدفع مصر إلى إعادة تقييم حدود مشاركتها.


ومع استمرار تغير الأوضاع وصعوبة التنبؤ بمسارها، يبرز السؤال الأكثر حساسية: ماذا لو قررت مصر التدخل العسكري المباشر؟ وهل تستطيع تحمل التكلفة؟

 


التكلفة الباهظة للتدخل.. هل يستطيع الاقتصاد المصري تحمل حرب طويلة؟


يتمثل أول التكاليف المحتملة للتدخل المباشر في تحول مصر نفسها إلى طرف في الحرب، بما يعرض أراضيها ومصالحها ومنشآتها الحيوية لتهديدات الحوثيين. ولا يمكن استبعاد هذا السيناريو، بالنظر إلى تطور قدرات الجماعة الصاروخية وقدرات الطائرات المسيّرة خلال السنوات الأخيرة، وقدرتها المثبتة على استهداف مواقع بعيدة عن المناطق التي تسيطر عليها.


وتبلغ المسافة بين مسرح العمليات الذي يسيطر عليه الحوثيون على الساحل الغربي لليمن وأقرب المواقع المصرية على البحر الأحمر، في حلايب وشلاتين، نحو 1100 إلى 1200 كيلومتر. ويقع هذا المدى نظريًا ضمن نطاق بعض الصواريخ التي أظهر الحوثيون امتلاكها. كما يزيد نجاحهم في استهداف مواقع أبعد من ذلك المخاوف، إذ استهدفوا مؤخرًا منطقة مطار الملك فهد في المنطقة الشرقية من السعودية، على مسافة تتجاوز 1300 كيلومتر من مواقع الإطلاق المحتملة داخل اليمن.


ويواجه نظام الدفاع الجوي المصري بالفعل مهمة شديدة التعقيد لتأمين مساحة واسعة من التهديدات القادمة من اتجاهات متعددة. إذ يتعين عليه مراعاة طول الحدود الغربية مع ليبيا، والجبهة الجنوبية المرتبطة بالتطورات في السودان، والحدود الشمالية الشرقية شديدة الحساسية مع قطاع غزة وإسرائيل، فضلًا عن امتداد السواحل المصرية على البحر الأحمر والبحر المتوسط.


ومن شأن نشوء تهديد صاروخي جديد وهجمات بالطائرات المسيّرة من اتجاه البحر الأحمر أن يفرض أعباء إضافية على قدرات المراقبة والإنذار المبكر والدفاع الجوي. وقد يؤدي اختراق هذه الدفاعات واستهداف منشآت أو مناطق سياحية أو مواقع حيوية إلى تداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز حجم الأضرار المباشرة، خصوصًا على قطاع السياحة وثقة الأسواق.


ويمتلك الحوثيون خيارًا آخر قد يكون أسرع وأقل تكلفة، وهو تكثيف الهجمات على السفن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بما يزيد اضطراب حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.


وقد يمثل هذا الخيار وسيلة أكثر فاعلية للضغط على القاهرة مقارنة بمحاولة استهداف الأراضي المصرية مباشرة، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للقناة بوصفها مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية. كما أن أي تراجع إضافي في حركة الملاحة سيضاعف الضغوط الواقعة بالفعل على الاقتصاد المصري.


وعلى الصعيد السياسي، قد تؤدي المشاركة العسكرية المباشرة إلى تغيير موقع القاهرة في الصراعات الإقليمية، وتهدد التوازن الذي سعت إلى الحفاظ عليه في علاقاتها مع أطراف مختلفة، ولا سيما إيران والقوى والفصائل المتحالفة معها. وقد تتجاوز التداعيات حدود اليمن، إذ يمكن للعمليات العسكرية المطولة أن تضع مصر أمام أعباء سياسية وإنسانية مرتبطة بالحرب، خصوصًا إذا اتسعت العمليات أو سقط مدنيون.


وحتى قبل ظهور هذه التداعيات، تظل التكلفة الاقتصادية من أبرز القيود على أي قرار مصري بالتدخل المباشر. فالاقتصاد المصري، الذي يواجه ضغوطًا كبيرة والتزامات مالية ضخمة، قد لا يكون مهيأً لتحمل نفقات مواجهة عسكرية مفتوحة، حتى مع افتراض تقديم السعودية ودول الخليج مساهمات مالية أو تعويضات.


ولا تقتصر تكاليف الحروب الطويلة على نشر القوات واستخدام الأسلحة، بل تشمل الإمدادات والصيانة والذخائر وحماية القوات والمنشآت، فضلًا عن تأثيراتها غير المباشرة في الاستثمار والسياحة والتجارة والشحن البحري.


وتزداد المخاطر إذا تحولت المشاركة المحدودة إلى مواجهة مطولة بلا أفق زمني واضح، إذ قد تستنزف موارد مصر الاقتصادية والعسكرية في وقت تحتاج فيه القاهرة إلى توجيه جزء كبير من إمكاناتها لمعالجة التحديات الداخلية وتأمين حدودها المباشرة.


كما تثير المشاركة المحتملة اعتبارات تتعلق بالرأي العام، خصوصًا أن بعض المصريين يتحفظون على الانخراط في حرب خارجية ظلت مصر حتى الآن بعيدة عن مسرحها المباشر.


لذلك، لا تقتصر معضلة القاهرة على امتلاك القدرة العسكرية على المشاركة، بل تشمل أيضًا مدى تناسب المكاسب الاستراتيجية المتوقعة مع التكاليف والمخاطر المحتملة. فثمة فرق كبير بين تقديم دعم دفاعي محدود للسعودية وتأمين البحر الأحمر، وبين التحول إلى طرف مباشر في حرب مفتوحة ضد الحوثيين. وقد يكون قرار الدخول في الحرب أسهل بكثير من تحديد موعد الانسحاب منها والشروط التي تحكمه.


وفي نهاية المطاف، تشير التطورات، بصرف النظر عن طبيعة الدعم العسكري المصري المحتمل ومستواه، إلى محاولة مصر إعادة تعريف شراكتها الاستراتيجية مع السعودية، ونقلها من علاقة تقوم أساسًا على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي إلى شراكة أمنية واستراتيجية أوسع.


وقد تتعامل هذه الشراكة مع أمن الخليج والبحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس باعتبارها حلقات مترابطة داخل مسرح أمني واحد، يصعب الفصل بين مكوناته.


ومن ثم، لا يكمن الاختبار الحقيقي أمام القاهرة والرياض في اتخاذ قرار بمواجهة الحوثيين بقدر ما يكمن في كيفية إدارة هذه المواجهة وإنهائها. ويتطلب ذلك تحديد حدود سياسية وعسكرية واضحة منذ البداية، ورسم خط فاصل بين الردع والدفاع من جهة، والانزلاق إلى حرب مفتوحة من جهة أخرى.


ويتمثل التحدي الأكبر في ضبط استخدام القوات والإمكانات، لا مجرد نشرها، من خلال تحديد الأهداف وشروط الانسحاب، حتى لا يتحول الدعم المحدود إلى التزام عسكري طويل الأمد يصعب التحكم في مساره أو تكلفته.

 

https://www.noonpost.com/en/386365/amp/